التشخيص نعمة
رحلة التشخيص للأمراض النادرة
كلما اتسعت معرفتك بالعلوم، وخاصة ما يتعلق منها بالصحة، كلما ازددت إدراكاً لنعم الله الخفية. ومن هذه النعم التي نغفل عنها: التشخيص. يرى كثيرون في التشخيص ابتلاءً، لأنه يجعلك مريضًا رسميًا أو طبيًا، لكنه بالنسبة لفئة من الناس، وإن كانت قليلة، يعتبر “التشخيص” نعمة حقيقية…
معظمنا يعرف شخصاً مصاباً بالسكري أو ضغط الدم أو غيرهما من الأمراض الشائعة أو المزمنة.. أمراض لها اسم، لها حد فاصل وأرقام محددة في تحليل الدم، لها علاج، لها مجتمع يفهمك ويشاركك. تبحث عنها فتجدها مذكورة هنا وهناك، تسأل عنها فتُجاب، تتألم فتجد من يتألم معك.
لكن تخيّل معي أن تعاني من حالة جسدية شديدة مزمنة، لسبب وراثي في عائلتك، تدخل بسببها المستشفى تلو المستشفى، وتعرض نفسك على هذا الطبيب وذاك، وفي كل زيارة ينظر إليك الطبيب ويقول: لا أعرف أو لا يوجد سبب واضح لحالتك. ثم قد تخضع لعلاجات فاشلة، بلا تشخيص ولا خطة واضحة، ولا مجتمع مصغر يعاني من حالتك يضمك ويرشدك، تستمر في التخبط والضياع سنوات وسنوات.
هذا هو واقع كثير من العائلات التي تعيش مع الأمراض النادرة، والمسيرة الطويلة المضنية مع رحلة التشخيص التي قد تمتد لسنوات بحثا عن تشخيص دقيق لحالتك.
المرض النادر هو حالة تصيب عدداً محدوداً من الناس. لكن هذه الأمراض توجد بالآلاف. معظمها ذو أصل جيني، وكثير منها يمر دون أن يُكتشف.
أثناء كتابة هذا المقال، صادفت منشورًا على Reddit في مجتمع r/happy. كان شابٌ يشارك الناس خبر حصوله أخيرًا على تشخيص لمرضه النادر: Eosinophilic Colitis.
وراء هذا الخبر رحلة طويلة من المعاناة؛ أشهر من سوء التغذية الحاد، واشتباه بالإصابة بـ Cystic Fibrosis، وزيارة لغرفة الطوارئ انتهت بعبارة: «مجرد ألم في المعدة… عد إلى المنزل»، بعد سبع ساعات من الانتظار.
لاحقًا، كشفت المناظير عن وجود أكثر من مئة خلية يوزينية (Eosinophil) في كل بقعة من القولون، إلى جانب التهاب شديد وتلف في الأنسجة. وكان عنوان منشوره: “just got diagnosed with my very rare disease” «لقد تمّ تشخيص إصابتي أخيرًا بمرضي النادر جدًا».
المفارقة أنه لم يكن يكتب بحزن، بل كان يحتفل. كتب أنه أخيرًا شعر بالراحة بعد سنواتٍ قضاها يشك في نفسه، ويتساءل إن كان يبالغ في وصف ألمه أو يتخيّل ما يشعر به. ولهذا السبب تحديدًا كان منشوره في مجتمع r/happy.
قصة هذه الشخص تعكس حقيقة أوسع: حين يكون المرض نادراً، فالعبء هو عبء الغموض، وعبء أن لا تنتمي إلى أي نمط طبي معروف، وعبء الانتظار أطول مما ينبغي.
توقفت مرات عدة في كتابتي وأنا أشعر أن الكلمات لا توفي الأمر حقه. مهما كتبت، يبدو أن ثقل هذه المعاناة لا يصل كما ينبغي، والرسالة التي أريد إيصالها تظل ضبابية.. أسأل نفسي: يمكنني أن أُسلط الضوء على هذه القضية، لكن كيف يتحول ما يقرأه القارئ إلى فعل؟
سأقول هذا بوضوح: الأمراض النادرة، حين تُؤخذ مجتمعة، ليست نادرة في منطقتنا كما قد نتصور، بل إن انتشارها أعلى مما يعتقد كثيرون، في ظل ارتفاع معدلات زواج الأقارب. وهذه ليست مجرد فكرة نظرية أو أرقام في الدراسات؛ فعلى الأرجح أن كل واحدٍ منّا قد قابل شخصًا مصابًا بمرض نادر دون أن يعلم.
إن تعلّمنا عن مرض نادر واحد فقط، وفهمنا شيئًا من حجم المعاناة التي يعيشها المصابون به، قد يجعلهم يشعرون بعزلة أقل. علّموا أبناءكم أن بعض الناس يختلفون من الداخل، وأن الاختلاف ليس غرابة، بل جزء من الطبيعة البشرية.
وإن كنت طبيباً: تعلّم عن الأمراض النادرة في تخصصك هي من أجل تنمية حاسة تشعر بها حين لا يستقيم المشهد السريري. حين تبدو القصة مبتورة. حين يعود المريض مراراً ولا شيء يفسّر ما يحدث تفسيراً كاملاً. أحياناً ما يغير حياة المريض هو الرفض القاطع للاستسلام لإجابة خاطئة.
وثمة بشارة… بدأنا نتجاوز مرحلة مراقبة الأعراض ومحاولة ربط الخيوط. اليوم أصبح بإمكاننا في بعض الحالات أن ننظر مباشرة في الشفرة الجينية عبر تسلسل الجينوم الكامل (Whole Genome Sequencing). بدلاً من سنوات من التخمين، بات بعض المرضى يحصلون على إجاباتهم من فحص واحد.
في مشاريع كـ Project Baby Bear، أطفال في حالات حرجة كان يمكن أن يمضوا شهورا دون تشخيص، باتوا يحصلون على إجاباتهم في أيام. هذا ليس من علوم المستقبل بل أصبح حاضرًا يتشكّل ويمارس.
حتى العلاج نفسه بدأ يتغيّر مع التقدّم في مجال العلاج الجيني (Gene Therapy). ومن أبرز الأمثلة على ذلك Zolgensma، وهو علاج لمرض ضمور العضلات الشوكي يعتمد على إيصال نسخة سليمة من الجين المفقود لدى بعض المرضى، بما قد يغيّر مسار المرض جذريًا ويمنح الأطفال فرصة لحياة مختلفة تمامًا.
خلف كل هذا، ثمة علماء وأطباء يعملون في صمت على أمراض لم يسمع بها معظم الناس، بلا أضواء ولا عناوين.. فقط عمل متواصل لفهم ما كان غامضاً تماماً. ومهما بلغ تعقيد كل هذا، فالنية خلفه بسيطة: أن يصبح الغموض أقل، أن يأتي التشخيص أبكر، و أن تكون حياة المرضى أفضل.
شكراً لمن وصل إلى هنا. وشكراً على تجاوز الألفين مشترك! يسعدني حقاً أن أعرف: عن ماذا تريد أن أكتب في المرة القادمة؟


لماذا زواج الأقارب خطير ؟؟